قدود حلبية
مقالة بقلم وعد الله حديد
في السادس والعشرين من تشرين اول2018
المكان شارع ومنطقة سان ميشيل في باريس
الزمان في العام 1976
امسية ..غاب فيها القمر فازدان المكان بإضاءة متباينة بين خافتة ومبهرجة وتعبقت الاجواء بنسائم تميل للبرودة تحمل بين طياتها اروع انواع العطر بين عطر شرقي وفرنسي وعطر آت من القارة السوداء .
الاجواء الشاعرية كانت على موعد مع كل شيئ جميل ,فالاضواء الباهرة اختزلت الالوان جميعها والقت ببريقها على المارة وعلى الرصيف ,كانت تلك هي صورة مصغرة لشارع ال(سان ميشيل)في باريس.
غادرت الفندق قبل قليل كي استنشق هواءا عذبا واستطلع المكان واحتسي بعض القهوة الفرنسية من فوق احد التيراس (وهي مقاهي الرصيف) حيث لازال الوقت مبكرا كي القي باوزاري واخلد الى الراحة.
ولم ابتعد كثيرا عن الفندق .وجدت نفسي اتيه وسط الزحام ,انها بحق صورة رائعة لجموع البشر والامكنة ,الجميع متميز بحسن هندامه واناقته ورائحة عطره التي تطغي على كل شيئ
ولكن احد اولئك الناس استطاع ان يلفت انتباهي وقد اصبحت الان قاب قوسين او ادنى منه.
هاهو ذا ينتصب امامي بقامته القصيرة ووجهه المدور المفعم بتضاريس وندب جراء اكتساحه من قبل بحب الشباب ,
ان شاشة التلفاز تعطيك انطباعا مغالطا للحقيقة ,فالانطباع الحقيقي في التلفاز منطبق على الهندام امراة كانت او رجل و ماعدا ذلك فهو زيف في زيف.
بادرته بالسلام وانا ارسم فوق وجهي ابتسامة عريضة ومددت يدي كي اصافح يده:
السلام عليكم استاذ صباح.كيف الصحة .؟
قال ببرود وبتقاسيم وجه قاسية وبلكنة سورية :انا مو صباح,
كان بمقدوري ان انسى اسمي او ربما نسيت اسم جدي ولكنني سوف لن اتوه عن وجه صباح فخري ماحييت ,ان (كاسيت)اسقي العطاش يرافقني اينما ذهبت في بلاد الغربة ,وهو الان يستقر في جهاز ال(ريكوردر)في غرفة في الطابق الاول من الفندق,
لماذا انكر نفسه ؟
هل اوجس خيفة مني وهل ان شكلي يوحي بالغرابة الى حد ما؟
لا اظن ذلك فانني طالما كنت انيقا ولا يشكل وجهي وهندامي اية بادرة للتوجس
قلت له :انك انت صباح فخري وانا لا اريد سوى ان القي عليك التحية والسلام
وجاء رده مثيرا للشفقة والاشمئزازفي ان واحد :انا قلتلك انا مو صباح فخري.
وأمام عناد اجوف لا قرار له آليت على نفسي الانسحاب بهدوء,بلباقة ولياقة متناهيتين بعد ان ايقنت ان العتاب لا طائل منه,
غادرت المكان دون ان التفت الى الوراء وانا اقارع نفسي مرة واهون عليها مرة اخرى,
تبا للسياسة التي طالما القت بظلالها المقيته على ابسط ممارساتنا الحياتية وسحقا لمن اراد لنا التفرقة والبغضاء
تلك هي ايها السادة مفارقات السياسة وافرازاتها المسمومة وتداعياتها التي اثرت سلبا على مجمل تفاصيل حياتنا اليومية والسلوكية ,
ففي ذلك العام وفي ذلك الشهر الذي التقيته فيه بالتحديد كان الجيش العراقي قد حشد قواته على الحدود السورية في عملية هي عملية ال..
ربما كانت تلك الاحداث سببا لتنكر السيد صباح وتمويه شخصيته ليتجنب اية مضايقات او مشاكل قد يجني من ورائها ما يمكن ان يعود عليه بالضرر (من وجهة نظره طبعا)
انا لن الوم السيد صباح ولكن عتبي على السياسة التي تقف وراء كل الاشكالات والمصائب التي تخنق الانسان و تشكل حجر عثرى في طريق حريته,حياته وامنه,ايا كان ذلك الانسان واينما كان .
سلام على سورية
سلام على العراق
سلام على صباح فخري وعفاف راضي و حضيري ابو عزيز,
وعد الله حديد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق